السيد محمد باقر الصدر
452
الأسس المنطقية للإستقراء ( تراث الشهيد الصدر ج 2 )
ظهور وجه الكتابة في المرّة الأولى نتيجة لأحد هذه الجوانب المتحرّكة لما تكرّر ظهوره في المرّة الثانية ، فتكرّر ظهوره في جميع المرّات لا يمكن أن يفترض إلّا إذا افترضنا أنّ العامل المسبّب لظهور وجه الكتابة هو الجانب الثابت من الظروف والملابسات ، إذ بحكم كونه ثابتاً يتكرّر أثره في كلّ مرّة فيظهر وجه الكتابة . وهذا افتراضٌ لا يملك إلّاقيمة احتمالية ضئيلة جدّاً ؛ لأنّ الجوانب المتحرّكة وغير الثابتة من الملابسات والظروف أكثر من ذلك الجانب الثابت بدرجة كبيرة جدّاً ، وكلّ واحدٍ من هذه الجوانب المتحرّكة يحتمل أن يكون له دورٌ في تحديد الوجه الذي سيبرز . وبكلمة مختصرة : كلّما كان دور الجزء الثابت أكبر كان ترقّب تكرّر نفس الظاهرة مرّات عديدة أقوى ، وكلّما كان دور الجزء المتحرّك أكبر كان ترقّب اختلاف الظاهرة أقوى . ولمّا كانت احتمالات سببية الجزء المتحرّك أكثر نتيجةً لكون عناصر الحركة في الظروف والملابسات أكثر من عناصر الثبات ، فمن الطبيعي أن يكون احتمال تكرّر نفس الوجه في كلّ المرّات ضعيفاً جدّاً . ولنأخذ مثالًا آخر : نفرض أنّا أقمنا دعوة لخمسين شخصاً من الأصدقاء ، وحاولنا مسبقاً أن نتنبّأ بلون الملابس التي سوف يرتدونها عند مجيئهم إلى الدعوة ، فسوف نجد أنّ قيمة احتمال أن يجيء الجميع صدفة بلون واحد ضئيلة جدّاً ، فهي أصغر من قيمة أيّ احتمال آخر . والسبب في ذلك هو السبب في مثال رمي قطعة النقود ، فإنّ اختيار كلّ واحد من الخمسين للون ملابسه يرتبط عادة بمجموعة من الظروف والملابسات ، ونحن نعلم الاختلاف الشديد بين هؤلاء الخمسين في ظروفهم وملابساتهم ، وعدم وجود اشتراك في الظروف والملابسات بينهم إلّابقدر ضئيل جدّاً ، فإذا كان هؤلاء سوف يأتون جميعاً بلون واحد فهذا يعني : أنّ الذي تحكّم في موقف كلّ منهم هو ذلك القدر الضئيل